أحمد بن محمد مسكويه الرازي
312
تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق
إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ . « 1 » وقال الكندي في كتاب « دفع الأحزان » ما يدلك دلالة وصحّة ان الحزن شيء يجتلبه الإنسان ويضعه وضعا ، وليس هو من الأشياء الطبيعيّة . إنّ من فقد ملكا أو طلب أمرا فلم يجده فلحقه حزن ، ثم نظر في حزنه ذلك نظرا حكيما وعرف أنّ أسباب غير ضرورية ، وان كثيرا من الناس ليس لهم ذلك الملك وهم غير محزونين بل فرحون مغبطون ، علم علما لا ريب فيه أن الحزن ليس بضروري ولا طبيعي ، وان من حزن من الناس وجلب لنفسه هذا العارض فهو لا محالة سيسلو « 2 » ويعود إلى حاله الطبيعي ، فقد شاهدنا قوما فقدوا من الأولاد والأعزّة والأصدقاء ما اشتد حزنهم عليه ، ثم لا يلبثون ان يعودوا إلى حالة المسرّة والضحك والغبطة ، ويصيرون إلى حال من لم يحزن قط . ولذلك نشاهد من يفقد المال والضياع وجميع ما يقتنيه الانسان مما يعز عليه ويحزنه ، فإنه لا محالة يتسلى ويزول حزنه ويعاود أنسه واغتباطه ، فالعاقل إذا نظر إلى أحوال الناس في الحزن وأسبابه علم أنه ليس يختص من بينهم بمصيبة غريبة ، ولا يتميز عنهم بمحنة بديعة ، وان غايته من مصيبته السلوة ، وان الحزن هو مرض عارض يجري مجرى سائر الرداءات ، يضع لنفسه عارضا رديئا ولم يكتسب مرضا وضعيا ، اعني مجتلبا غير طبيعي . وينبغي ان نتذكّر ما قدمنا ذكره من حال من يحييّ بتحيّة على أن يشمها ويتمتع
--> ( 1 ) . يونس / 62 . وللمزيد راجع : البقرة / 38 ، البقرة / 62 ، آل عمران / 170 ، المائدة / 69 ، الانعام / 48 ، الأعراف / 35 ، الأحقاف / 46 . ( 2 ) . من السلوّ : وسيلة النفس والفؤاد .